يوم الاربعاء الموافق
21/08/2019
الصفحة الرئيسية اجعلنا صفحة البداية اضفنا للمفضلة





























04/01/2015 - 01:12:52 pm
مِـنـكَ فـيـنـا مـا لا يـفـنـى ("المعلّم لا يموت")
مِـنـكَ فـيـنـا مـا لا يـفـنـى
("المعلّم لا يموت")

في مثل هذا اليوم قبل ثمانية عشر عامًا، رحل العبلّينيّ الكبير أستاذنا مـيـخـائـيـل نـور سـلـمـان (أبـو الـنـور). توقّف نبض القلب الحنون حين كان في رحلة إلى مصر. رحل عن ثلاثة وستّين عامًا (شباط 1934 - 1.1.1997).
لهذا الرجل النادر مَسْكن في قلبي. ذكراه لا تغيب عنّي ولا تَغْرب.
واسعَ المعرفة كان، وذا ثقافة معجِبة. خلال الأعوام الدراسيّة الثلاثة (1979-1982) التي فيها حظينا به مدرّسًا ومديرًا لمدرسة عبلّين الثانويّة، لم أجْنِ منه علْمًا ومعرفة في موضوعه التدريسيّ (اللغة العبريّة) فحسْب، بل تخطّى الأمرُ تلك اللغةَ التي لم يحبّها أكثريّتنا -نحن الطلبة- إلى اللغة العربيّة والأدب العربيّ، وإلى مضامير أخرى. معلوماته في لغة الضاد التي أَحبَّها لم تكن تقلّ عن معلومات مدرّس جيّد للّغة العربيّة. لست أنسى استمتاعي واندهاشي من قدرته على تدريسنا حين كنّا في الصفّ الحادي عشر حصّة أو اثنتين عابرتين في الأدب العربيّ (مسرحيّة أحمد شوقي "مجنون ليلى")، أظنّهما كانتا -على الأغلب- دونما سابق تحضير. معرفته في الشعر أشعرتني أنّي في حضرة امرئ غير متقوقع المعرفة. لكن للحقيقة والأمانة، لا بدّ أن أشير أنّي ما أحسستُ يومًا أنّ هذا الأستاذ المخْلص قد درّسنا أيّة حصّة من حصص في اللغة العبريّة دونما تحضير لها. أقول هذا مُشِيدًا به بالطبع؛ ففي تحضير المدرّس لدروسه احترامٌ لنفسه ولطَلَبته ولمهنته ولضميره. لا أذكر أنّه دخل يومًا إلى غرفة الصفّ بتكاسل، ولا بتثاقل، ولا بتَبَرُّم. حماسته ورغبته في التدريس والعمل والإفادة حالتان نموذجيّتان استثنائيّتان. مخلصًا في مهنته كان هذا الرجل إلى أبعد تُخوم الإخلاص. 

حِـلْـم وحُـلْـم وثـورة
حليمًا صبورًا كان في الغالب والمعتاد، وبركانًا إنْ ثـارَ -وقلّما غضِبَ-. لطيفًا لطيفًا كان، وجادًّا وذا حسّ فكاهيّ لا يخفى. بلطفه وظرفه لطَّفَ الأجواء وخفّف من إحساسنا بالتعب خلال الحصّتين السابعة والثامنة. كثيرًا ما ضحّى (وجنى بذلك على نفسه) حين كان سَلَفًا يلبّي طلبات بعض المدرّسين، إذ يطلبون إليه منذ بداية العام المدرسيّ ألاّ يمتدّ عملهم حتّى نهاية الدوام المدرسيّ في اليوم الفلانيّ واليوم العلاّنيّ... فتكون النتيجة المجحفة أن يعلّم المدير أكثر من نصف حصصه التدريسيّة في الساعات الأخيرة من الدوام -ساعات الإرهاق ومحدوديّة قدرة التلاميذ على التركيز، ساعات التمطّي وانتظار جرس الختام!
ذا وطنيّة حقيقيّة هادئة رائقة كان هذا المربّي. لا زال دفتر مذكّراتي الخاصّ بالمرحلة الثانويّة تضيئه كلماتٌ كتبها لي أستاذي الحبيب أبـو الـنـور، تلبيةً لطلبٍ منّي. كنّا آنذاك في نهاية العام المدرسيّ في الصفّ الحادي عشر، وهو نفسه كان العامَ الأخير في حياة ومسيرة "مدرسة عبلّين الثانويّة" المستأجرة التي أُغلقت أبوابها نهائيًّا وعلى الدوام بعد شهر، بقرار صدر آنذاك من وزارة المعارف. كنّا في حزيران عام 1982. الفِراق دنا، ففاض الألم وحبْرُ القلم، فكتبتُ لأبـي الـنـور رسالةً مُحِبّة مقدِّرة بخطّ يدي (لشديد الأسف، لا أجد لديّ نسخة منها ولا مسوّدَة)، وطلبتُ إليه أن يكتب لي هو في دفتر مذكّراتي بعض سطور أحتفظ بها لمُقْبِل الأيّام. لم يبخل علَيَّ الجوادُ الفاضل الحنون، فكتب، بل كتب أكثر بكثير ممّا توقّعت! كان ذلك في 14.6.1982. أنقل في ما يلي مقتطفات مختارة ممّا كتب لي هذا الرائع النادر في دفتر مذكّراتي الخاصّ بالمرحلة الثانويّة:
(( إلى طالبي العزيز...
إنّ كلماتك الدافئة قد جعلت مكانًا لدمعة تفرّ من عيني، وقد حاولتُ جهدي أن لا تسيل هذه العَبْرة، ولكنّها سالت وتدحرجت من عيني من غير ما أشعر وغصبًا عنّي.
طالبي الحبيب [...] إنّ كلماتك تحمل في طيّاتها المثاليّة التي أنا شخصيًّا أقدّسها، ولكن حبّذا لو أتيحت لي الظروف الطيّبة لَـكنتُ خدمتُ شعبي وأقلّـيّتي العربيّة أكثر ممّا أستطيع [...]
أرجوك يا طالبي العزيز أن تعمل وتعمل حتّى نرفع رأس أمّتنا عاليًا، ونقهر الذلّ والخنوع. أرجوك أن تتعلّم ولا تنسى قضيّة شعبك، وأن تعمل وأنت متعلّم كلّ مستطاعك لدفع عربة التقدّم القوميّ والاجتماعيّ إلى الأمام. سِرْ على درب الاعتزاز بالانتماء إلى هذه الأمّة، حتّى ولو كانت أحوالها اليوم لا تشرّف مثل هذا الانتماء لها. إنّ الأصالة التي ضاعت في قومنا سوف يُكتَب لها وتعود.
لقد ألّفتُ مرّة قصيدة عن انتصار الثورة الجزائريّة على الاحتلال الفرنسيّ، ومن جملة أبياتها:
"فنحن العُرْبَ لا نرضى ترابًا يُرفرفُ فوقه عَلَمٌ غـريبُ
ونأبى أنْ نَـذِلّ لأجـنبـيٍّ ولو ذَلّتْ بأجمَعِها الشعوبُ"
هكذا صوّرتُ الأمّة العربيّة في مخيّلتي وهذا ما أريده لها، ولكن وا حسرتاه!!
على كلّ يا حنّا علينا أن نعمل ونعمل لعلّ الله يساعدنا في تحقيق أمانينا))...

"إذا فَـنِـيَـتْ عِـظـامـي"...
قد يكون من الجدير أن أشير أنّه حين سلّمتُ الأستاذ مـيـخـائـيـل دفتر مذكّراتي ذاك، كنتُ قد طلبتُ إليه أن يلصق في إحدى صفحات الدفتر صورة شخصيّة له. لم يفعل، لكنّه عوضًا عن ذاك كتب في ختام ما كتب ما يلي -كمَنْ يشاكس أو يداعب؛ لكن بجِدّ:
(( وفي الختام أُلْصِقُ صورتي في هذه الذكريات وأتغنّى ببيت شعر قلتُه قديمًا: 
"إذا فنيَتْ عِظامي في مَماتي فهذا الرسمُ ينبضُ بالحياةِ"
معلّمك الذي لن ينساك
مـيـخـائـيـل ))
*  *  *  *  *
ولمزيد من التوضيح، عليّ أن أشير أنّ هذا البيت الشعريّ، الذي حفظتُه منذ نطق به المرحوم، ليس أحدَ أبيات قصيدة أو مقطوعة، ولا قاله أوّل مرّة "لزميل له وطلب إليه أن يضعه إلى جانب صورته لدى خروجه إلى التقاعد" (على نحوِ ما قد يُفهم ممّا ورَدَ في كُتيّب التأبين في الصفحة 52)، بل هو بيتٌ يتيمٌ نَظَمَه أبـو الـنـور حين كان في الثامنة عشرة.
وحكاية نظْمه لهذا البيت الشعريّ اللطيف رواها لنا المرحوم بلسانه خلال إحدى الحصص التعليميّة. كنّا نعرف أنّه يَنْظم الشعر المتقَن، ولا ينشره، وكنّا نستدرجه لإطْلاعنا على بعض ذاك. وأُشهِدُ الله أنّا كنّا نقوم بذاك الاستدراج اهتمامًا وفضولاً وحبًّا بذاك الرجل الحبيب، لا رغبةً في إضاعة الوقت، ولا مخادعةً أو ادّعاءً للاهتمام. لا والله! المهمّ... الحكاية ملخَّصُها أنّ الطالب العبلّينيّ مـيـخـائـيـل نـور سـلـمـان، الذي تلقّى دراسته الثانويّة في الناصرة منذ عام 1949 حتّى عام 1953، أثناء سير إحدى الحصص الدراسيّة الأخيرة طلب إليه أحدُ زملائه أن يهديه صورة شخصيّة له، فلبّى له طلبه. على ما يبدو، كان من المألوف آنذاك أن يتبادل زملاء المرحلة الثانويّة الصورَ الشخصيّة الصغيرة الحجم (صور الهُويّة وجوازات السفر وغيرها) تذكارًا، في نهاية تلك المرحلة على وجه التحديد، ولا سيّما أنّهم كانوا من بلدان شتّى، والمواصلات لم تكن متيسّرة بما يسمح بتبادل الزيارات، ووسائل التواصل عن بُعْد كانت نادرة حدّ العدم (اقتصرت على الرسائل البريديّة؛ لا مكالمات هاتفيّة ولا جوّاليّة ولا فيسبوكيّة...). أمسك زميل مـيـخـائـيـل الصورة ثمّ أعادها إلى صاحبها، طالبًا أن يكتب له على الوجه الآخر بيتًا من الشعر ينظمه له للتوّ. كان الزميل يعرف أنّ لمـيـخـائـيـل موهبة وتجارب طيّبة في قَرْض الشعر العموديّ، الموزون المقفّى بعناية، ودراية جيّدة في علم العَروض، ولذا طلب ما طلب مُصِرًّا. حاول مـيـخـائـيـل أن يتهرّب، لكنّ زميله أصرّ، وكان له إزاء إصراره ما كان. خلال سير حصّة تدريسيّة، في نهاية المرحلة الثانويّة، في ربيع أو صيف العام 1953، هناك في الناصرة، على مقعد الدراسة، في بضع دقائق، كتب الطالب الموهوب مـيـخـائـيـل ذاك الكلام الموزون المقفّى الوجيز العفويّ: "إذا فَنِيَتْ عِظامي"...

"أسـمـى مـن الـرثـاء"
هو من بين كوكبة من المدرّسين المهمّين الرائعين الذين نَهلتُ من ينابيعهم علْمًا شهيًّا حقيقيًّا، والذين أسهموا في تشكيل وِجداني وعقلي وشخصيّتي وأفكاري وذائقتي، ودفعني إعجابي بهم وتقديري لعملهم أن أقرّر -منذ أواسط مرحلة دراستي الثانويّة- اختيار التدريس مهنة مستقبليّة لي.
تحت عنوان "أسمى من الرثاء"، كتبتُ عنه قبل ثمانية عشر عامًا، نيابةً عن "نادي المحبّة" العبلّينيّ، في الكتيّب الذي صدر في ذكرى الأربعين لرحيله، كتبت الكلام الوجيز التالي:
  (( كيف يُرثى مَن في الذاكرة يقيم؟!
أبـا الـنـور، لسنا نرثيك! نراك فوق الرثاء. نخاطبك، "نعاتبك"... لكنّا لا نرثيك؛ فالرثاء للموتى.
نخاطبك؛ لأنّك سيّد في الإصغاء كما في الكلام.
"نعاتبك"؛ لأنّ الرحيل إبّان الرحلة أليمًا كان.
أستاذنا، صفحةً بهيّةً في سِـفْـر العمر ما زلتَ.
محطّةً عَليّةً في سَـفَـر الأيّام ما زلتَ.
ما زالت كلماتك الكبيرة كِبَرَ القلب الكبير، وقبساتُ مَحبّتك الحقّة، ما زالت رفيقـًا حميمًا لتلامذتك.
أبـا الـنـور، باقٍ أنت ما بقي العلْم والمعرفة.
باقٍ أنت معنا أصْدقَ من مِرآة، أَدْوَمَ من ذكرى... ))

ولا زلـتَ كـمـا أنـتَ...
وبعد... قرابة عشرين عامًا مرّت، ولا زلتَ، أستاذنا الغالي الحبيب، لا زلتَ كما أنت؛ تسكن الروح والقلب والوجدان. كلماتي لا تعبّر عن مشاعري الخاصّة بي أنا وحدي، أستاذي. كلماتي المقصّرة محاوَلة، مجرّد محاوَلة لإيجاز ما يقوله محبّوك الكُثْر عنك، واختزال لِما يحسّون به تجاهك.
أبـا الـنـور، لسنا ننساك، لا في ذكراك ولا في سواها من الأيّام، يا صاحب العقل الرزين والقلب الــرحــب الــكــبــيــر...
بعض الكلام لا يُمَلّ تكرار اقتباسه. لستُ أملّ اقتباس السودانيّ الرائع الراحل "الطيّب صالح" قوله: "الـمـعـلّـم ﻻ يـمـوت". ونحن، تلامذتك الذين تحيا أنتَ في قلوبهم وضمائرهم، نحن إنّما على صدقِ ذاك شاهدون شاهدون. نشهد أن المعلّم الحقّ يبقى في دارنا، وإن انتقلَ إلى دار الحقّ. منكَ فينا ما لا يفنى. منكَ في دواخلنا نحتضن أكثر من الذكريات والمعلومات.
سلامٌ لروحك، أبـا الـنـور، أيّها النور الخيّر...
1/1/2015
تلميذك المُحِبّ
حنّا نور الحاجّ - عـبـلّـيـن









تعليقات        (اضف تعليق)

* الاسم الكامل
البريد الالكتروني
الحماية
* كود الحماية
البلد
هام جدا ادارة الموقع تحتفظ لنفسها الحق لالغاء التعليق او حذف بعض الكلمات منه في حال كانت المشاركة غير اخلاقية ولا تتماشى مع شروط الاستعمال. نرجو منكم الحفاظ على مستوى مشاركة رفيع.
مسؤولية التعقيب تقع على عاتق المعقبين انفسهم فقط
يمنع ادخال اي مضامين فيها اي تجاوز على قانون منع القذف والتشهير او اي قانون آخر
فيديو عبلين |  اخبار عبلين |  دليل عبلين |  عن عبلين |  العاب اونلاين |  للنشر والاعلان |  من نحن |  اتصل بنا | 
Online Users
Copyright © ibillin.com 2007-2019 | All Rights Reserved © جميع الحقوق محفوظة لموقع عبلين اون لاين
Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com